عبد الوهاب الشعراني

7

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

هذا أمر بعيد ، فاللّه يحفظ هذا الكتاب من مثل ذلك إنه سميع مجيب . واعلم يا أخي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما كان هو الشيخ الحقيقي لأمة الإجابة كلها ، ساغ لنا أن نقول في تراجم عهود الكتاب كلها : أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أعني معشر جميع الأمة المحمدية ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم إذا خاطب الصحابة بأمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب انسحب حكم ذلك على جميع أمته إلى يوم القيامة ، فهو الشيخ الحقيقي لنا بواسطة أشياخ الطريق أو بلا واسطة ، مثل من صار من الأولياء يجتمع به صلى اللّه عليه وسلم في اليقظة بالشروط المعروفة عند القوم . وقد أدركت بحمد اللّه تعالى جماعة من أهل هذا المقام كسيدي علي الخواص ، والشيخ محمد العدل ، والشيخ محمد بن عنان ، والشيخ جلال الدين السيوطي وأضرابهم رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين . ثم لا يخفى عليك يا أخي أن من شأن أهل اللّه عز وجل كونهم يأخذون العهد على المريد بتركه المباح زيادة على الأمر والنهي طلبا لترقيه ، إذ المباح لا ترقي فيه من حيث ذاته وإنما هو أمر برزخي بين الأمر والنهي ، جعله اللّه تعالى مرتبة تنفيس للمكلفين يتنفسون به من مشقة التكليف إذ الإقبال على اللّه تعالى في امتثال الأمر واجتناب النهي على الدوام ليس من مقدور البشر ، فأراد أهل اللّه تعالى للمريد أن يقلل من المباح جهده ويجعل موضعه فعل مأمور أو اجتناب منهي أو مرغب في فعله أو تركه لأخذهم بالعزائم دون الترخيصات فترى أحدهم يفعل المندوب مع شدة الاعتناء به ، كأنه واجب ويجتنب المكروه كأنه حرام ويترك المباح كأنه مكروه ويفعل الأولى كأنه مستحب ويستغفر من فعل المكروه كأنه حرام ويتوب من فعل خلاف الأولى كأنه مكروه ويتوب من ترك المندوب كأنه واجب ، ومن القوم من يقلب المباح بالنية الصالحة إلى خير فيثاب عليه ثواب المندوب ، كأن ينوي بأكله التقوي على عبادة اللّه تعالى ، أو بنومه في النهار التقوي على قيام الليل عند من لم يصح عنده حديث : « استعينوا بالنّوم في القيلولة على قيام اللّيل » . أما من صح عنده هذا الحديث فهو مستحب أصالة لا جعلا ، وقد كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي يسمي النوم وردا ويقول : لا أحد يوقظني من ورد النوم حتى أستيقظ بنفسي . فعلم أن أهل اللّه تعالى من شأنهم أن لا يوجدوا إلا في فعل واجب ، وما ألحق به من المندوب والأولى أو في اجتناب منهي وما ألحق به من المكروه وخلاف الأولى . فإياك يا أخي أن تبادر إلى الإنكار عليهم إذا رأيت أحدا منهم يأخذ العهد على مريد بتركه المباح ، وتقول كيف يأخذ العهد على مريده بترك المباح مع أن الشارع أباحه له ، فإنك في واد وأهل اللّه في واد . وقد صح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى بعض أهله عن فعل المباح ، فنهى فاطمة رضي اللّه عنها عن لبس الحرير والذهب ، مع أنه صلى اللّه عليه وسلم أباحهما لإناث أمته وقال : « يا فاطمة من لبس الحرير في الدّنيا لم يلبسه في الآخرة » .